الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
210
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وهذا هو الوجه فيما ذكره من جواز تحقق الحكم العقلي دون الشرعي كما أشار إليه بقوله لأن الخطاب به عبثا إلى آخره وقد ظهر بذلك دفع ما قد يورد عليه من أن المقرر في محله مطابقة حكم العقل للشرع بمعنى أن ما حكم به العقل قد حكم به الشرع فكيف يبتني على الانفكاك بينهما في المقام إذ ليس المدعى انفكاك حكم الشرع عن حكم العقل بأن لا يطابق حكم الشرع ما به حكم به العقل كيف وقد كان الحكم المذكور من لوازم عدم إيجاب الشارع للمقدمة فهي أيضا في حكم الشرع مما يجوز تركه لكن المقصود عدم جواز تصريح الشارع بجواز تركه للزوم اللغو حسبما ذكر لكنك خبير بأن القول بعدم جواز تصريح الشارع بالحكم الثابت مع أن من شأنه بيان الأحكام غير متجه وما ذكر من لزوم اللغو في الحكم به فاسد إذ لا يعقل لغو في بيان الأحكام الشرعية وكيف يتصور ذلك في المقام وفي حكمه المذكور تصريح بعدم وجوب المقدمة واتحاد الواجب حتى لا يتوهم هناك وجوب أمرين كيف ولو كان لغوا لكان بيان هذه المسألة وعقد الخلاف وإقامة الحجج من الفريقين على كل من الجانبين والنقض والإبرام الواقع في البين من الطرفين أعظم لغوا فما يجعل فائدة في ذلك فهي الفائدة في تصريح الشارع به كيف ولو صرح به وثبت ذلك عنه لم تكن المسألة محلا للخلاف فلا أقل من ظهور الحق لمن بذل الوسع فيه وأي فائدة أعظم من ذلك فيمكن أن ينهض الوجه المذكور حجة على وجوب المقدمة بأن يقال لو لم تكن المقدمة واجبة شرعا لجاز تركها والملازمة ظاهرة وأما بطلان التالي فلأنه لو جاز تركها لجاز حكم الشارع بالجواز أما الملازمة فلجواز حكم الشارع بما هو الواقع بل من شأنه بيان حكمه في الواقع وأما بطلان التالي فلقبحه وركاكته كما اعترف المصنف به ويمكن الإيراد عليه بأن الوجه في عدم جواز حكمه بجواز ترك المقدمة امتناع انفكاك الواجب عنها فهي واجبة بالعرض من جهة وجوب ذيها كما هو الحال في لوازم الواجب فلا يجوز تركها ويصح الحكم بجواز تركها لعدم جواز ترك ملزومها ولذا لا يصح إطلاق الحكم بجواز تركها ويصح الحكم بجواز تركها في نفسها وكما لا يجوز حكم الشرع بجواز تركها لعدم جواز تركها على الإطلاق كذا لا يحكم به العقل فلا فرق بين الحكمين كما توهم المصنف ولا دلالة في ذلك على وجوب المقدمة كما لا يدل على وجوب لوازم الواجب فقوله لو لم يكن المقدمة واجبة لجاز تركها إن أريد به وجوبها بالذات على أن يكون الوجوب من عوارضها فالملازمة ممنوعة لإمكان أن لا يكون واجبة كذلك لكن لا يجوز تركها بالعرض من جهة عدم جواز ترك ملزومها وإن أريد الأعم من وجوبها بالذات وبالغير على أن يكون الوجوب من عوارض ذلك الغير وتتصف هي بالوجوب بالعرض على سبيل المجاز من جهة عدم انفكاك الواجب عنها فالملازمة مسلمة ولا تثبت المدعى لما عرفت من خروج ذلك عن محل البحث إذ هو من لوازم الملازمة المسلمة بعد الحكم بوجوب ذي المقدمة وقد ظهر بما قررناه ضعف ما قد يمنع في المقام من عدم جواز تصريح الشارع بجواز ترك المقدمة إذ لا يعقل هناك مانع منه بعد البناء على عدم وجوبها لما قد عرفت من ظهور الوجه فيه لكنه لا يفيد الوجوب حسبما حاوله المستدل هذا ويمكن تقرير الاستدلال بوجه آخر ينهض بإثبات المدعى ذلك بأن يقال إنه لا شك بعد مراجعة الوجدان في عدم جواز حكم العقل ولا الشرع بجواز ترك المقدمة إذ لا يعقل هناك مانع منه بعد البناء على عدم وجوبها لما قد عرفت من ظهور الوجه فيه لكنه لا يفيد الوجوب حسبما حاوله المستدل هذا ويمكن تقرير الاستدلال بوجه آخر ينهض بإثبات المدعى ذلك بأن يقال إنه لا شك بعد مراجعة الوجدان في عدم جواز حكم العقل ولا الشرع بجواز ترك المقدمة من حيث أدائها إلى ترك ذي المقدمة وكيف يجوز عاقل أن يوجب الشارع علينا الحج مثلا ثم يقول لكم ترك قطع المسافة إلى مكة من حيث إنه يؤدي إلى ترك الحج وهل يكون مفاد ذلك إلا تجويزه لترك الحج فيناقض الحكمان وهو بعينه مفاد الوجوب الغيري إذ لولا وجوبها لأجل الغير لجاز الحكم بجواز تركها من الحيثية المذكورة وإن لم يجز من جهة أخرى فتأمل قوله منع كون الذم على ترك المقدمة بنفسها إن أريد منع كون الذم على تركها بالوجه المذكورة ترك المقدمة بنفسها فلا ربط له بالمدعى إذ ليس المأخوذ في الاحتجاج ورود الذم على تركها بالوجه المذكور وإلا لكان واجبا نفسيا لا غيريا وإن أريد منع الذم على ترك المقدمة من حيث أدائها إلى ترك ذيها فهو واضح الفساد كيف وتعلق الذم بتركها بالاعتبار المذكور من الواضحات كما مرت الإشارة إليه [ في بيان حجج أخر للقول بوجوب المقدمة . ] [ الحجة الأولى . ] ثم إن هنا حججا أخرى للقول بوجوب المقدمة قد أشار إليها غير واحد من الأجلة بعضها متينة وبعضها مزيفة لا بأس بالإشارة إلى جملة منها منها أن حقيقة التكليف هي طلب الفعل أو الترك من المكلف اتفاقا من الكل وذهب العدلية إلى أن حقيقة الطلب هي الإرادة المتعلقة بفعل الشيء أو تركه وعليها مدار الإطاعة والعصيان والألفاظ الدالة على ذلك من الأمر والنهي إنما هي لإعلام المكلف الذي هو من شرائط التكليف ولذا قد لا يكون العلامة لفظا بل شيئا آخر من دلالة العقل وغيره من الأمارات المنصوبة على حصول الإرادة المذكورة واستدلوا على ذلك بأنه لا يعقل الإنسان بعد رجوعه إلى وجدانه عند أمره بالشيء أمر آخر وراء الإرادة المذكورة يصلح لأن يكون مدلولا للصيغة فلو كان هناك شيء آخر لزم أن يكون معلوما بالوجدان كسائر المعاني الحاصلة للنفس من العلم والقدرة والكراهة والشهوة والفرج والهم والجبن ونحوها فإذا لم يتعقل هناك معنى آخر وراء ما ذكر من الإرادة تبين أنه ليس معنى الطلب إلا الإرادة كيف ولو سلم أن هناك معنى آخر لا يدركه إلا الأوحدي من الخواص فكيف يصح القول بوضع صيغ الأمر والنهي لذلك ومن المقرر أن الألفاظ الظاهرة الشائعة الدائرة بين العامة غير موضوعة بإزاء المعاني الخفية التي لا يدركها إلا الأفهام الدقيقة وقد خالف في ذلك الأشاعرة فزعموا أن الطلب أمر آخر وراء الإرادة وجعلوه من أقسام الكلام النفسي المغاير عندهم للإرادة والكراهة وقد عرفت أن ما ذكروه أمر فاسد غير معقول مبني على فاسد آخر أعني الكلام النفسي وليس بيان ذلك حريا بالمقام فإنما يطلب من علم الكلام فإذا تبين أن حقيقة التكليف هو ما ذكرناه من الإرادة فمن البين أن الإرادة المذكورة لا تحدث بواسطة اللفظ